الأربعاء، 6 نوفمبر 2013


بسم الله الرحمن الرحيم


إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت 
وما توفيقي إلا بالله 
عليه توكلت وإليه أنيب..



في قصة رمزية..
وجد الحكيم العُماني رجلا يصطاد السمك
وتبدو على وجهه علامات الكآبة والقنوط
وهو يقول: لن أصطاد اليوم أبدا !!
فتقدم منه الحكيم العُماني وأخذ الصنارة وكسرها
ثم ابتسم وأعطاها للصياد قائلا:
لايوجد في البحر سمك اليوم!!
انفعل الصياد صارخا: لماذا كسرت صنارتي؟!!
ياترى لماذا تصرف الحكيم العماني هكذا؟؟!!
وماذا حدث بعد ذلك؟!!
هذا ماسنعرفه بعد الأسطر الآتية..

الطلاق العاطفي!!

لا أعني به الطلاق الفعلي المعروف..
فكل طلاق فعلي إنما يسبقه طلاق عاطفي!!
فرُبَّ طلاق عاطفي أعمق مرارة وأشد أثرا
من الطلاق الفعلي وبمراحل!!
وإنما أتحدث عن زوجين
لايزالان تحت رباط الزوجية
ولكنهما كالمطلقين!!
زوجة تنعى سوء حظها
وزوج يرى واقعه قدرا لامحيص منه..
زوجة تشتكي من جلافة طبع زوجها
وزوج يتذمر من لسان زوجته..
زوجة تئن تحت أنانية ذكورية وقحة
وزوج يتفطر دما من كبرياء أنثوي متمرد..
زوجة لاتعرف الحب ومعسول الكلام 
إلا في لحظات في فراش زوجها
وخارجه هي خادمة ذليلة وهو حجر أصم
وزوج لايرى كحالا ولا دلالا ولا لباسا جميلا 
إلا إن كانت زوجته متجهة لقاعة الأعراس.. 
وفي غير ذلك هي عجوز شمطاء متورمة عيناها من كثرة النوم
وهو يتابع بلهفة ذئبية زينة النساء في الشوارع والأسواق والقنوات..
زوجة تنكوي ألما من رؤية زوجها عديم المسؤولية
وزوج تحترق كبده من زوجته المفشية للأسرار..
زوجة تفضفض لزميلاتها عن رغباتها
وزوجها لايعلم شيئا من ذلك..
وزوج يناقش أهدافه المستقبلية
مع أقرانه ونساء علاقاته المحرمة
وزوجته لاتدرك كنهها..
زوجان يعيشان في بيت وكأنهما
موظفان في شركة فاشلة
كل منهما يؤدي دورا شكليا بكل أنانية ولامبالاة..
أسرة: 
يئس الحوار منها فحمل أمتعته ورحل عنها..
وقنطت منها شمس التقبل والتفهم فغربت..
وصعق فيها طائر الإحسان والمودة فلم يحلق..
وتكدرت فيها ورود الكلمات الحنونة الرومانسية فذبلت..
علاقات زوجية تشي بكهف من التراكمات الأليمة الغائرة المعلقة..
الأمثلة كثيييييرة.. ولم أتحدث عن طامات أُخَر 
بله الحديث عن مآسي الأبناء..
وأنا على ثقة وأنتم تقرؤون هذه الكلمات
تتقاذف لذهنكم العديد من الأسر الثكلى عاطفيا..
وتعكس مفهوما مناقضا لما قرره الرحمن
من كون الزوجين سكنا للآخر
ومن ملامح وشيجة الزواج المقدسة:
(المودة والرحمة)
"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم
أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة 
إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"[الروم:21]
وماسطوري إلا بداية محاولة جادة
للملمة أوراق كثير من الأسر المنفصلة بغير طلاق..
الأسباب متعددة ومن جهات متنوعة
من أبرزها:
سوء الاختيار.. وهذا بنفسه يحتاج الكثير لتحليله وتقنينه
وكطباع محددة في الطرفين..
وكتدخل خارجي سافر ومسيطر بحجة وهمية..
وكتخلي الكثير من الرجال عن المفهوم الصحيح للقوامة
فبينما نجد من يؤولها بالتسلط والتحكم بالصلافة والعنترية
نجد آخرين ينسلخون من المسؤولية بكل برود..
فالذكور كثُر والرجال قليل!!
في حين أن المقصود بالقوامة هو فن القيادة الآمنة
في جو يسوده التناغم والتآلف..
وكعدم التأهل للتربع على عرش الحياة الزوجية..
وقد قدمت قبل زمن في هذا الصدد في صفحتي مقترحا بعنوان:
هل لديك رخصة زواج؟!!

لست في خضم تحليل الأسباب الجذرية
بقدر ما أحاول لفت انتباه الوعي الجمعي
لعمق الشرخ الذي بدأ يبيد عرى كثيرة..
واستمراره بحجج وهمية كالقناعة والصبر والقدر المحتم والإهمال
واللجوء للحرام للتعويض ووو...الخ
لابد من صرخة التغيير أن تصدح..

الطلاق العاطفي ذو مستويات متفاوتة
تبدأ من شرارة ضغينة وسكين ألم وانقباض نفس
ويصل أقصاها للهجر مع تفنن للإهانة والتعذيب والتهميش..
مع التأكيد على أن إهمال المستويات الدنيا
يقود فيما بعد لترجمة حية للمثل السائر:
القشة التي قصمت ظهر البعير!!
المؤشرات:
ومن أكبر المؤشرات هي شكوى أحد الطرفين
من الآخر أو كلاهما..
ولايعني هذا الوقوف ضد الاستشارات الأسرية
فالاستشارة ضرورية جدا..
فأرجو أن يفهم كلامي في إطاره المحدد..
إذ إنني أتكلم عن ماهية المؤشرات..
لذلك من الجرم العظيم
أن تتم شكاية أحد الطرفين أو كلاهما
لكل من هَبَّ ودَبَّ وفي كل وقت
ليس بُغية إيجاد الحلول
وإنما بُغية التنفيس ومحاولة تغطية النقص أو الألم بتشويه الآخر..

ومن أبرز المؤشرات كذلك:
عدم الراحة والفضفضة والشعور بالأهمية وحب الحوار إلا مع غير شريك الحياة..
قد يبدو الأمر في بدايته طبيعيا بوهم الروتينية وحب التغيير
لكن سرعان ماينكشف عواره..

وقس مع هذه المؤشرات أخواتها..

الحلول:
لايمكن حصر الحلول لمثل هذه القضية المتشعبة
في هذه المقالة السريعة
لاسيما وأنها تعتمد على فهم حيثيات
شخصية الزوجة
شخصية الزوج
سلبيات كل منهما
رغباتهما
اختيارهما الحر للآخر..
المؤثرات الخارجية
مدة الزواج
عمر الأولاد
وغيرها الكثير..

فتارة يكون علاج الطلاق العاطفي بالطلاق الفعلي
وتارة يكون بجلسة صراحة
وتارة بإجراءات ترغيبية
وتارة بإجراءات ترهيبية
وتارة بتحكيم حكمين من أهلها وأهله
وتارة بمعالجة نفسية..
وهلم جرا..
في ظل استشارة حكيمة أمينة تعي أبعاد تلكم العلاقة بجميع جزئياتها..

الرسالة:
"بل الإنسان على نفسه بصيرة* ولو ألقى معاذيره"[القيامة:14-15]
كل أحد بصير بنفسه.. ويدري إن كانت علاقته مع شريك حياته
قد دخلت في شَرَكِ الطلاق العاطفي أو قاربته أو لا..
ويدرك لأي مدى ذلكم التنافر..
ومن الظالم الأكبر؟!!
لأنه جرت العادة أن يقابل الظلم ردة فعل..
فيكون الشرخ من كلا الطرفين..
ولكن الخنجر الأصلي بيد المبتدئ..
فمن الإجحاف بمكان مثلا
أن تُجعل الزوجة في قفص الاتهام
بحجة رفعها لصوتها.. وإهمال ماقام به الزوج قبل صراخ زوجته
من هدر لكرامتها أو إنسانيتها بأي شكل من الأشكال..
مع تأكيدي دائما وأبدا على
أن الرجل يتحمل الجزء الأكبر بوجه عام
من تصدع بنيان العلاقة الزوجية..
كونه المنوط به قيادة السفينة..
وقلَّ مَن يفهم هذا العمق الرجولي..
فإذا كان ذلك كذلك فمن المنطقي جدا أن يسعى شريكا الحياة جاهدين لسد الهوة
قبل أن يثور منها بركان غضوب يجعل الواقع قاعا صفصفا..
فما أشعل جمرة الطلاق العاطفي في أدنى مراحله أشد من حطب الإهمال والتسويف..

حان الآن موعد إكمال القصة..
بعدما انفعل الصياد
التفت إليه الحكيم العُماني مبتسما!!:
ياصياد.. ليس من الفطنة في شيء أن تستمر في مخادعة نفسك
فتلقي الصنارة لصيد السمك.. وأنت تترجم بلسانك قناعة وهمية
بعدم القدرة على الصيد اليوم..
فإما أن تلقي الصنارة جانبا لاستسلامك لقناعة رسمتها بوهمك
فتكون في قمة السلبية.. فتقطع شريان رغبتك بخنجر وهمك..
وإما أن تغير الوهم القابع في مخيلتك.. فتتفاءل خيرا
وتعزم على صنع واقع جميل
فتسعى إليه برضى وسعادة
حينها ستكون صنارتك جالبة للسمك!!
ياصياد:
يجب أن تكون واعيا بواقعك..
جريئا على صنع حلمك..
فالاستمرار في خداع النفس
حكم ذاتي باستحقاق الشقاء..

هذا، وأنا على ثقة من أن
تفاعل الأعضاء المحترمين
سيكون ناضجا ومبدعا..
فأنا أشفق حقا على أصحاب
الردود الهامشية المتخبطة ضيقة الأفق
الأمر الذي يعكس وعيا ضحلا
إذ إنه بكل سهولة يمكن معرفة 34%
من شخصية أي كاتب من خلال
ثلاثة ردود لمواضيع مختلفة
بشرط تباعد زمن كتابتها
فالأفضل لهؤلاء أن يتابعوا بصمت
لأن ثمة من يتقن قراءة النفوس المفتوحة..

احترامي..